كود الهواية – ملامح على الطريق
تكلمنا كثيرا فيما مضى عن مواضيع علمية وتقنية خاصة بتربية الأحياء البحرية وضجت المواقع الأخرى بالكثير من هذه المواضيع ، وقد أغفلنا وراء ظهورنا موضوع مهم جدا كان ينبغى البدء به قبل كل شئ ألا وهو أخلاق الهواية والهواة التى ينبغى التحلى بها …. وفى هذا الموضوع سوف أتحدث وألقى الضوء على بعض الأمور أظنها من الأهمية بمكان وحان وقت التطرق إليها خاصة بعد دخول عدد لا بأس به فى مصر والعالم العربي فى هواية تربية الأحياء البحرية.
عموما لسنا الوحيدون الذين تطرقنا لهذا الأمر بل هناك الكثير من الهواة فى العالم الغربي خاصة القدماء منهم تحدثوا كثيرا حول أخلاق الهواية ووضعوا مايشبه مبادئ التعاون فيما بينهم وأطلقوا عليها إسم “كود أو شفرة الهواة” Hobbyist Code ، ولكننى سوف أختص الهواة هنا فى مصر نظراً لاختلاف الظروف بين مصر والعالم الغربي وأننا أكثر حاجة لتطبيق هذا المبدء فيما بيننا.

وقبل الحديث عما ينبغى فعله بيننا كهواة سأعرض عليكم موقف قد يلخص ما أهدف إلى الوصول إليه وتطبيقه بيننا، ففى عام 1993 جائت إلى أحد المحلات فى نيويورك واحدة من أجمل وأندر أنواع الأكروبورا الحمراء فى ذلك الحين ، وكان أول من شاهدها هو تونى فارجاس وجريج شيمير، وعلى غرار ما نراه الأن هنا بين الهواة كان من المتوقع من تونى أن يسارع بشراء هذه القطعة النادرة ويحتفظ بها لنفسه وتنشب الخلافات بينه وبين جريج داخل المحل على من يأخذها ويحتفظ بها لنفسه، ولكن ذلك لم يحدث … بل أن الاثنان معا قاموا بشرائها وليس ذلك فقط بل قاموا بتقسيمها إلى ثلاث قطع وأخذ كل واحد منهم قطعة وأعطوا القطعة الثالثة لمايك باليتا الذى لم يكن موجودا أصلا معهم وقت الشراء (روح المشاركة) ، فهم كهواة محترفين قد تحلوا بروح المشاركة والتعاون فيما بينهم وهم بتوزيعهم القطعة على ثلاث أفراد زادت لديهم فرصة الحفاظ عليها بدلا من الاحتفاظ بها لدى شخص واحد وقد تمرض وتموت عنده ويخسرها الجميع.
وهذا هو أول رمز أو حرف فى كود الهواة ألا وهو المشاركة والتعاون، مشاركة كل شئ سواء أحياء أو معلومات أو أفكار أو معدات … أى شئ من شأنه أن يساعد شخص أخر على النجاح، ولا مجال للأسرار والأنانية والاحتفاظ بالمعلومات، أحزن كثيراً عندما أرى هواة مبتدئين وقدامى أثناء تواجدهم بداخل أحد المحلات ويختلفون وقد يعلوا صوتهم على بعضهم البعض لمجرد أن ذلك يريد سمكة معينة أو قطعة مرجان معينة لنفسه ويسارع لإلتقاطها قبل زميله وقد يكون صديقه … والأكثر غرابة أن تجد الذى أخذها ليس مؤهل للحفاظ عليها وحوضه الخاص ليس مستعداً لاستقبال هذا النوع من الأحياء.
وجميعنا نعلم أنه قبل 10 سنوات لم يكن هناك الكثير من هواة الأحياء البحرية فى مصر وعددهم لا يتجاوز أصابع اليدين ونشأت بينهم علاقات جيدة وصداقات وكان هناك تعاون ومشاركة فيما بينهم وكان لهذه المشاركة (كود الهواة) أثر كبير فى المحافظة على الهواية وتنميتها فى مصر، والآن رغم زيادة عدد الهواة بشكل ملحوظ وتوافر المعدات والتجهيزات بشكل أفضل من ذى قبل فقلما تجد روح المشاركة والتعاون بين الهواة رغم أن المنتسبين لهذه الهواية أغلبهم شخصيات ذات مكانة علمية أو أدبية رفيعة وأنا اعتبرهم من صفوة الهواة فى مصر بين مختلف الهوايات.
كود الهواة يجعلنا نحافظ على سلامة الأحياء وإذا حدث لها شئ أو ماتت فإنك تستطيع استرجاع جزء منها فى أى وقت من الهواة الذين شاركتهم فيها من قبل، فأنت لا تضمن ما قد يحدث لحوضك قد يؤدى لموت نوع ما من أحيائك الجميلة ساعتها ستقول لنفسك يالينى تشاركتها مع زميل أو صديق لضمان وجودها مرة أخرى عندى.
وهذا يفسر سبب وجود بعض انواع الأحياء مثل الاكروبورا والمرجان الصلب لاكثر من 15 عام داخل الهواية بشكل مستقر بد أن تداولها الهواة فيما بينهم وتأقلمت على حياة الاحواض فى حين أن الكثير قد يأتى بها من البحر ويعانى من أقلمتها وقد ينجح فى ذلك أو يفشل وتموت منه هذه الأحياء، لكن عندما تنجح فى أقلمتها والحفاظ عليها ثم تتقاسمها مع هواة اخرين سوف تضمن بذلك انتشارها والحفاظ على هذاالنوع بدلا من المحاولة مرة اخرى فى اقلمة قطعة جديدة، فتوزيع الفراجات ليس الغرض منه الكسب المادى فقط ولكن الحفاظ على النوع فى المقام الأول.
الصبر هو الرمز أو الحرف الثانى فى كود الهواية، وللأسف الكثير منا يفتقد لهذا الأمر، يجب أن نعلم ونعترف بهذه الحقيقة شئنا أم أبينا وهى أن حوض الأحياء البحرية لايصل إلى مرحلة الاستقرار قبل مرور عام كامل عليه، على الأقل لتضمن بشكل جزئي أن الكائنات المؤذية من ديدان وكراب وطحالب قد انتهت من الحوض.
هذا الصبر يسمح لك بتجربة العديد من الأمور والتأكد منها والتعامل معها بشكل تدريجي، فالعلومات الموثقة الآن تنتقل بسرعة بين الهواة بسبب الانترنت وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة ولكن مازال هناك الكثير من المعلومات والمفاهيم المغلوطة وهذه المفاهيم لن تتأكد منها إلا بالتجربة التى تحتاج بالتالى إلى الصبر لتصدق بنفسك صحة أو كذب هذه المعلومات.
بالإضافة إلى أن سوق تصنيع معدات وأجهزة أحواض المارين يعمل بأقصى طاقته وتقريبا كل شهر ترى معدات وأجهزة جديدة، هذه المعدات يتم تجربتها من قبل الهواة ولانعلم نتائجها الايجابية أو السلبية إلا بعد فترة وهذا يحتاج أيضا للصبر، كما أننا مطالبون بعرض ومشاركة نتائج تجاربنا ليستفيد منها غيرنا من الهواة وهذا أيضا جزء مفقود من كود الهواة وهو عدم مشاركة التجارب.
أخى الهاوى والمربى أنت تتعامل مع أرواح لم يخلقها الله عز وجل لنعذبها ونعبث بها، فأنت تقتنيها وتتمتع بها ولكنها أيضا أمانة فى عنقك مطالب بالمحافظة عليها وتوفير متطلبات العناية بها، فلا تتعجل بإدخال مرجان وانت لا تمتلك نوع الإضائة المناسب له أو التأكد من جودة المياه لديك للمحافظ على هذه الأحياء، وبالتالى عليك أن تصبر حتى توفر هذه الشروط ومن ثم تبدء باقتناء هذه الأحياء.
الرمز أو الحرف الأخير من كود الهواة هو أن مجمل مانفعله فى هذه الهواية هو بغرض المتعة والراحة النفسية التى تشعر بها عند نظرك لهذه الأحواض ولم يكن الغرض منها أبدا كسب المال (فنحن نسميها هواية تربية الأحياء البحرية وليس تجارة الأحياء البحرية) بغض النظر عن سوق البيع والشراء وهذا ليس موضوع نقاشنا.
على مدار السنوات القليلة الماضية رأيت أحياء وشعاب مرجانية ثمنها لا يتعدى 100 أو 200 جنيه تستغل وتباع مقابل 500 او 600 جنيه، ومازالت المنافسة مستمرة للعثور على أغلى الأحياء لمقايضتها بأعلى المبالغ النقدية مع الهواة الذين يتسطيعون الدفع واستغلال قلة خبرتهم، وهذه المشكلة على المدى الطويل سوف تدفع المزيد من الهواة إلى ترك الهواية وتمنع العديد ممن يفكرون فى الإنضمام لها من الانضمام إلى الهواية في المقام الأول.
أنا أفهم تماما أن بعض جوانب الهواية أصبحت مكلفة جداً، ولكن بعد التحدث مع الهواة القدامى ، ونحن نرى أن هذا على الأقل يعتبر مشكلة جزئية يمكن التغلب عليها بتفعيل كود الهواة الذى يحث على المشاركة والتبادل ومساعدة الأخرين.
وأنا على أمل أن ينضم الهواة الجدد إلى هذا الكود أو المبدأ مما سوف يؤدى إلى تقدير وتفعيل كود الهواة فى مصر بشكل فعلى.
مع تحيات موقع هوايتي
كتبه: محمد حسان
