الشائعات هي جزء من حياة الناس وتحدث في كل مكان، حتى في هواية تربية الأسماك، فبعض الملاحظات والنظريات غير المؤكدة تتحول بعض الأحيان إلى حقائق رغم قلة الأدلة التى تدعم صحتها، فنحن من نملك الاختيار فى ترويج الاشاعات أو “الحقائق” التي يقدمها الهواة، فبعض الهواة قد يقدم نصائحه بنية حسنة، وفي بعض الحالات للأسف فنحن من نضلل أنفسنا.
وفي هذه المقالة، سوف نناقش بعض هذه الشائعات التي لا تزال قائمة في هذه الهواية حتى اليوم، وننظر لها من وجهة نظر علمية ويجب أن نقرأ بعقل مفتوح وحيادية، ونفكر بشكل ناقد حول المسائل والأفكار التي ليس لها أساس واقعي.
إن بحثت عن كلمة خرافة في القاموس فستظهر لك العديد من النتائج، منها أنها تعني: الخيال أو نصف الحقيقة، وخاصة تلك التي تشكل جزءا من أيديولوجية معينة، وهذ يشير إلى أمر مهم جدا وهو أن الخرافات أو الشائعات لا يجب تداولها ونشرها وإلا فإنها ستتحول مع الوقت وكثرة الترديد إلى حقائق يصدقها ضعيف الخبرة.
وهذه هى السلسلة التى سوف أستعين ببعض علماء المجال والترجمة لهم إذا لزم الأمر وعرض آرائهم بإذن الله، وقبل ذلك أحب أولاً أن نتعرف عليهم:
الدكتور/ Tim Wijgerde:
دكتور تيم بدء تعامله مع المرجان منذ عام 2005، منذ أن كان فى دراسته الجامعية ثم حصوله على درجة الماجستير فى علم الأحياء من جامعة أوتريخت، ثم حصل على الدكتوراه فى علم الأحياء البحرية من جامعة فاجينينجين والتى تمحورت حول دراسة الأعضاء المرجانية والتغذية.
الباحث/ Arjen Tilstra:
آريين بدء حياته مع المرجان منذ عام 1999، ويسعى الآن للحصول على درجة الماجستير في البيولوجيا البحرية في جامعة جرونينجن، واختتم مؤخرا دراسة بحثية عن آثار تغير المناخ على نمو المرجان ووظائفه العضوية.
وسبب تقديمي لهم فى بداية الموضوع هو أن بعض الهواة العرب وللأسف الشديد يهمل البحث عن أصل المعلومات والتأكد من مصدرها، ومنهم من لديه هوس بالغرب ويصدق كل ما يتم تداوله من معلومات عن طريقهم، وقد يكذب المعلومات المستقاة من مواقع عربية ظناً منه أن الهواة العرب لا يمتلكون خبرات كافية، وعلي مدار الأعوام الماضية قمت بالحوار مع العديد من الهواة والخبراء الأجانب الذين لهم باع فى هذه الهواية مثل joshi sanjay و كيفن كوهين، وجاستن لوينى، وبرهان عمران، وسباستيان همبل، وغيرهم الكثير وذلك للوقوف أو مقارنة حدودنا المعرفية فوجدت أن هناك تقارب كبير فى المستويات وأن الفارق ليس كما يزعم البعض “فرق السماء عن الأرض” فطالما كان منهج البحث العلمي واحد فالخبرات ستكون متقاربة، ولعل السبب الرئيس لحدوث تلك الفجوة بيننا وبينهم هو ضعف اللغة الانجليزية عند بعض الهواة والسبب الآخر هو إهمال اتباع المنهج العلمي السليم في الوصول للمعلومات، ولعل هذا أحد الأسباب التى تدفعنى دائما لترجمة هذه المقالات لسد الفجوة بقدر المستطاع وتقديم معلومات ومقالات نوعية وليست كمية، فالعبرة بنوعية المعلومة المعروضة داخل المقال وليس بحجم المقال، ورسالتى لأخوانى من الهواة العرب وخاصة المصريين منهم هى أن تبحث عن الخبرات المتواجدة في بلدك أولاً وهم كثر بفضل الله، وتحاول أن تتعلم من خبراتهم لأنهم أعلم الناس بوضع الهواية وامكانياتها والمصادر المتاحة في تلك البلد، فالهواية ليست فقط مجرد معلومات ولكن خبرات عملية وممارسات واقعية، وكما قيل قديماً “أهل مكة أدري بشعابها“.

كلما زاد الضوء للمرجان، كان ذلك أفضل
The more light corals receive, the better
هذه واحدة من أكثر الأفكار انتشارا في الهواية حتى اليوم، وحتى نكون صادقين، فهى صحيحة جزئياً في حالات معينة.
واستنادا إلى الاعتقاد بأن المزيد من الضوء هو الأفضل دائما، قام العديد من الهواة بتجهيز أحواضهم بأكبر قدر الإضاءة يمكن توفيره، ومنبع هذه الفكرة أن الشعاب المرجانية التي تنمو فى مناطق ضحلة (shallow water) تتعرض لشدة ضوء عالية جدا.
وفي الواقع، الشعاب المرجانية التى تنمو في مناطق المد والجزر تتعرض للهواء عدة مرات في اليوم أثناء انخفاض المد، وتصبح منكشوفة بشكل كامل لأشعة الشمس، فتتعرض بذلك لشدة ضوء تزيد على (2,000 µmol m-2 s-1) حيث الإشعاع النشط للتمثيل الضوئي يكون (PAR ~400-700 nm).
وللمقارنة، تتلقي معظم الأحواض إشعاع ضوئى في نطاق (100-400 µmol m-2 s-1)، وعلى الرغم من صحة المقولة بأن الشعاب المرجانية يمكن أن تتعرض لشدة ضوء عالية جدا، إلا أن هذا ليس مفيد بشكل دائم للشعاب المرجانية، وذلك بسبب أن الدينوفلاجلاتس Dinoflagellates التكافلية، أو الزوزانتلي zooxanthellae، سوف تتلقي الكثير من الضوء حتى تصل لحد التشبع فتسبب أضرار فى آلية التمثيل الضوئى الخاصة بها.
وللتصدي لهذه الزيادة الضخمة فى (الأشعة فوق البنفسجية UV) الضوء، فإن كلاً من الشعاب المرجانية والزوزانتلي تستخدم آليات متنوعة لمنع تلف الأنسجة بشكل واسع النطاق، واحدة من هذه الآليات التي تستعملها المرجانية هو إنتاج صبغات mycosporine مثل الأحماض الأمينية (mycosporine تعمل كممصات للأشعة فوق البنفسجية) والبروتينات الفلورية.
sun-screen compounds or UV absorbing mycosporine like amino acids
فالأحماض الأمينية تعمل على حماية الشعاب المرجانية والزوزانتلي من الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي من شأنها أن تتسبب في أضرار كبيرة لأغشية الخلايا والحمض النووي للمرجان.
اما البروتينات الفلورسنتية، مثل البروتين الفلورستني الأخضر الجميل (GFP) والذي يشع تحت الضوء الأزرق، يعتقد أنه يعمل على حماية الشعاب المرجانية ضد المستويات العالية من الأكسجين الضار والتى تنتج عن طريق التمثيل الضوئي.
كما أن البروتينات الفلورسنتية ذات اللون السماوي قد تقلل من بعض الضوء الذي تستقبله الزوزانتلي لعملية التمثيل الضوئي.
استراتيجية أخرى تستخدمها الشعاب المرجانية وهي إنسحاب أو تراجع البوليب (إغلاق البوليب)، وهي بذلك تظلل على الزوزانتلي لتحميها من الضوء الزائد (الشعاب المرجانية الموجودة فى الضوء الخافت عادة ما تكون البوليبات مفتوحة على آخرها)، بالإضافة إلى ذلك فالهيكل العظمي للمرجان قادر على اظهار الأشعة فوق البنفسجية كضوء أصفر، وربما تحد هذه العملية من تلف الأنسجة.
والزوزانتلي بدورها تبدد الطاقة الضوئية الزائدة فى هيئة حرارة عبر عملية معقدة تعرف باسم الإخماد غير الضوئي، وتعمل باستمرار على إصلاح آلية التمثيل الضوئي للحفاظ عليها.
وبالتالي، فالمرجان لا يتطلب ضوء شديد بشكل مفرط كالموجود فى المياه الضحلة.
كما أنه تم العثور على الزوزانتلي الخاصة بالمرجان الصلب فى عمق 167 متر، وتوجد عادة فى عمق أقل من 100 متر، وهنا قد تتلقي الشعاب المرجانية أقل من 0.1٪ فقط من أشعة الشمس عند هذا مستوى من سطح البحر، وللتعويض عن هذا النقص فى الضوء تقوم الزوزانتلي بإنتاج المزيد من الأصباغ الصورية photopigments مثل الكلوروفيل للإستفادة بكفاءة من الضوء الضعيف الذي يستقبله، بالإضافة إلى ذلك يعمل الهيكل العظمي للمرجان بمثابة جامع جيد للضوء، ثم يشتت الضوء مرة أخرى على نحو يمَكِّن الزوزانتلي من استخدامه بفعالية.
وعلينا أن نعلم أن الشعاب المرجانية حساسة جدا للضوء المرئي، ويمكنها الكشف والإحساس بشعاع الضوء عند مستوى 0.002 µmol m-2 s-1 فقط، مما يسمح لها باستشعار أشعة الشمس على عمق كبير، وضوء القمر الخافت في المياه الضحلة.
وأخيرا، الشعاب المرجانية التى تنمو فى الأعماق تتغذى على العوالق والبقايا والمواد الذائبة للتعويض عن انخفاض كمية المواد الغذائية التي يتم الحصول عليها من خلال عملية التمثيل الضوئي، لذلك على الهاوي الانتباه وعدم التقصير في توفير احتياجات المرجان الضوئية المناسبة بحجة أنها سوف تتغذي على العوالق، فالمغذيات المتوفرة في البحر لا تستطيع أن توفرها في حوضك بشكل مثالي.
وبالإضافة للنيتروجين الذي يتم الحصول عليه عن طريق التغذية يسمح للزوزانتلي أن تستمر وتبقى في مستويات الضوء المنخفضة جدا.
وبعد تأقلم المرجان فى الحوض يعتبر مستوى الضوء من 200-300 ميكرومول كافية لحدوث التشبع الضوئي عند العديد من أنواع الشعاب المرجانية مثل Galaxea fascicularis، على الرغم من أن هناك بعض الأنواع تحتاج إلى المزيد من الضوء.
على سبيل المثال، تتطلب Seriatopora caliendrum و Pocillopora damicornis أكثر من 400 ميكرومول لتصل للتشبع الضوئي، وتجدر الإشارة مع ذلك إلى أنه حتى هذه الشعاب المرجانية بعد أقلمتها قد تتشبع عند مستويات اقل من الضوء.
بالإضافة إلى ذلك فكل نوع من المرجان يعتبر فريد من نوعه وراثيا، وقد يتصرف بشكل مختلف عن باقى الأنواع داخل نفس العائلة.
ومن حيث النمو، فمرجان Montipora aequituberculata يبدء نمو بالفعل عند مستوى تشبع 40-60 ميكرومول، على الرغم من أن الأنواع الأخرى مثل Acropora millepora تتشبع عند مستويات أعلى من 300 ميكرومول.
ولكي نكون منصفين، فهذه الشائعة أو الفكرة الأولى صحيحة جزئياً، فالمزيد من الضوء يمكن أن يكون أفضل لبعض الشعاب المرجانية من حيث التمثيل الضوئي والنمو، ولكن عند حد أو نقطة معينة، والشيء نفسه ينطبق على تحفيز ألوان المرجان، يتطلب شدة ضوء عالية لإنتاج العديد من البروتينات الفلورسنتية الخضراء والحمراء، والبروتينات الصبغية غير الفلورسنتية.
ومع ذلك يجب التنبيه أنه في مستويات الإشعاع العالية تظهر الشعاب المرجانية نمو نسبي بكفاءة أقل، ويمكن أن تصبح مجهدة، وهذا صحيح وينطبق بشكل خاص عندما يكون معدل تدفق المياه منخفض جدا، وربما يمنع المرجان من التخلص من الحرارة والأكسجين الزائد الناتجين من خلال عملية التمثيل الضوئي.
وبالتالي، يمكننا تلخيص الإشاعة الأولى: أن الشعاب المرجانية ذات الألوان الصارخة والمبهرة ليست بالضرورة شعاب سعيدة ومرتاحة، لكنها في الواقع قد تكون مجهدة، وتستثمر قدرا كبيرا من الطاقة في دعم آليات الحماية (بما في ذلك إنتاج أصباغ ملونة) لمنع الضرر الناجم عن الضوء.


المرجان الصلب يحتاج إضائة أكثر من المرجان الرخو
Stony corals require more light than soft corals
ترتبط هذه الفكرة بوضوح بالفكرة أو الشائعة الأولى، وربما تعتبر إستكمالاً لها، فهناك عبارة شهيرة تقول: “إذا كان لديك مرجان رخو soft corals فيكفيك 50 بار من الإضاءة، ولكن إذا كنت تريد اقتناء المرجان الصلب SPS، سوف تحتاج إلى أضعاف هذه الإضائة”، وفى الواقع عندما نغوص فى أى حيد مرجانى نجد أن القول بأن الشعاب المرجانية الصلبة تتطلب إضائة أعلى من الشعاب المرجانية الرخوة ليس له أساس واقعي.
ففى المناطق الضحلة جدا، نجد كلاً من الشعاب المرجانية الصلبة والرخوة تعيش وتنمو جنباً إلى جنب مع بعضها البعض، ونرى نفس الشئ عندما نغوص إلى أعماق أبعد حتى 100 متر (333 قدم)، حيث تجد الشعب المرجانية الصلبة والرخوة على حد سواء مثل أنواع Sarcophyton، Lobophyton، Acropora، Leptoseris موجودة وتعيش معا على نفس العمق وفى نفس الظروف.
وهذه الملاحظات تتفق تماما مع التجارب المعملية، فقد كشفت هذ التجارب عن أن الشعاب المرجانية الرخوة تتطلب أحياناً مزيدا من الضوء أكثر من بعض الشعاب المرجانية الصلبة لتشبع معدلات التمثيل الضوئي الخاصة بها.
ملحوظة: الصورة التالية لهذه التجربة مأخوذة من محمية جزر قلعان بالبحر الأحمر فى مصر.

والسؤال هنا: لماذا انتشرت هذه الفكرة بشدة بين الهواة؟
ربما سبب ذلك هو التغيرات التى تحدث فى ألوان الصبغات المرجانية عند انخفاض مستويات الإضائة، فهناك ظاهرة مشتركة قد لاحظها العديد من الهواة وهي أن الألوان الجذابة للأكروبورا تتحول إلى اللون البني خلال أسبوع أو أسبوعين بعد إدخالها للأحواض. وهذا بسبب قلة أو انخفاض الضوء (وأحيانا بسبب إرتفاع نسبة المواد الغذائية غير العضوية)، مما يجعل الزوزانتلي تقوم بإنتاج المزيد من الكلوروفيل وصبغات أخرى ضمن إطار زمني (عدة أيام) مما يجعل المرجان يظهر بلون بني.
وفي بعض الأحيان تزيد كثافة الزوزانتلي وذلك تبعا لنوع المرجان، وهي عملية تستغرق عدة أسابيع وبالتالي فإن المرجان والزوزانتلي تتكيف ببساطة مع تناقص الضوء في الحوض من خلال جعل آلية التمثيل الضوئي تعمل بشكل أكثر كفاءة (يرتبط ذلك بتوفر الأحماض الأمينية فى الحوض لدعم عملية التكيف وتعويض النقص فى الإضائة).
ومع العلم أن اللون البني هو لون كباقى الألوان ولكن معظم الناس يجدونه أقل جاذبية من الألوان الأخرى مثل الأرجواني والأخضر والأزرق والأصفر والأحمر، بالرغم من أن هذه الألوان الجميلة قد تدل على أن المرجان مجهد أو بحالة سيئة، مما يجعل الهاوى يعتقد بأن الأكروبورا التى تحولت للون البنى تحتاج الى مزيد من الضوء ولكن الحقيقة أنها تأقلمت مع الضوء.
ويوضح لنا المثال السابق أن التكيف فى الشعاب المرجانية هو أمر واقع وحقيقي، وكيف أن تصديقنا للأمور الغير سلمية يمكن أن يسبب لنا سوء فهم لهذه الكائنات الفريدة من نوعها.
تيار المياه الزائد أفضل للمرجان
The more water flow corals receive, the better
هذه الفكرة تضم شق إيجابي وشق سلبي، فبالنسبة للشعاب المرجانية التدفق الزائد للمياه له آثار مفيدة على معدلات النمو، التمثيل الضوئي والتنفس والتخلص من الرواسب على جسم المرجان، وإزالة المخلفات وبقايا التغذية.
أما بالنسبة للشق السلبي والخاطئ فى هذه الفكرة، عندما تواجه الشعاب المرجانية معدلات تدفق عالية جدا يؤدي ذلك إلى أضرار جسيمة لأنسجة المرجان والبوليبات الخاصة بها مما يتسبب في حدوث تشوهات بها لدرجة أنها تفقد قدرتها على التقاط العوالق والتغذية.
وفي الواقع معظم الشعاب المرجانية تستطيع العيش بشكل جيد وتكون قادرة على التغذية في نطاق تدفق بين 5:25 cm s-1
أمثلة على الشعاب المرجانية التي تحتاج تيار عالى:
gorgonians Acanthogorgia vegae
Melithaea ochracea
Subergorgia suberosa
Lophelia pertusa
octocorals
Dendronephthya
مع تحيات موقع هوايتي



